رغم الإنجاز.. لماذا يشكك بعض الناجحين في أنهم يستحقون النجاح؟

15 سبتمبر 2026 - 12:37 مساءً برامج ارتقاء

قد يصل الشخص إلى منصب مرموق، أو يحقق إنجازًا أكاديميًا أو مهنيًا لافتًا، ثم يجد نفسه غير قادر على تصديق أنه يستحق ما حققه. وبينما تبدو الصورة الخارجية مليئة بالنجاحات، يعيش صاحبها داخليًا حالة من الشك، ويخشى أن يكتشف المحيطون به أنه ليس بالكفاءة التي يتصورونها.

هذه المشاعر تُعرف باسم «متلازمة المحتال»، وهي ظاهرة نفسية ارتبطت بشكل خاص بالأشخاص ذوي الإنجازات المرتفعة، إذ يجدون صعوبة في نسب نجاحهم إلى قدراتهم الحقيقية، ويميلون بدلًا من ذلك إلى تفسيره بالحظ أو التوقيت أو مساعدة الآخرين.

نجاح لا ينعكس على صورة الشخص عن نفسه

تقوم متلازمة المحتال على فجوة بين الإنجاز الفعلي والصورة التي يحملها الشخص عن قدراته. فقد يمتلك الفرد سجلًا واضحًا من النجاحات، لكنه يظل مقتنعًا بأن ما حققه لا يعكس مستواه الحقيقي.

وفي كثير من الحالات، يصاحب ذلك هاجس من انكشاف ما يعتقد أنه «حقيقته»، حتى عندما لا توجد مؤشرات فعلية على عدم كفاءته.

ولا تُعد المتلازمة تشخيصًا نفسيًا مستقلًا بحد ذاتها، بل يُستخدم المصطلح لوصف نمط من المشاعر والأفكار المرتبطة بالشك في الذات ونسب النجاح إلى عوامل خارجية.

من يقع في دائرة الشك؟

لا ترتبط هذه الظاهرة بمهنة أو عمر محدد، لكنها قد تظهر بصورة أكبر في البيئات التي تتسم بالمنافسة أو ارتفاع سقف التوقعات.

ومن بين الفئات التي قد تكون أكثر عرضة لهذه المشاعر الطلاب المتفوقون، والباحثون، وأصحاب الإنجازات المهنية، ومن يتولون وظائف أو مناصب جديدة، ورواد الأعمال، والأشخاص الذين يضعون لأنفسهم معايير شديدة الارتفاع.

وقد تتزايد هذه المشاعر عندما ينتقل الشخص إلى بيئة جديدة يشعر فيها بأنه مطالب بإثبات نفسه من جديد.

حين يتحول النجاح إلى مصدر للقلق

تختلف التجربة من شخص إلى آخر، لكن هناك مجموعة من العلامات المتكررة، أبرزها التقليل من قيمة الإنجازات، وصعوبة تقبل الإشادة، والخوف المبالغ فيه من الخطأ أو الفشل، والاعتقاد بأن النجاح كان مجرد حظ.

كما قد يدفع هذا النمط بعض الأشخاص إلى السعي المستمر نحو الكمال، والعمل لفترات أطول من اللازم، خوفًا من أن يؤدي أي تقصير إلى كشف ما يعتقدون أنه نقص في قدراتهم.

ومع استمرار هذه الدائرة، قد يتحول الإنجاز الذي يفترض أن يمنح صاحبه شعورًا بالرضا إلى مصدر جديد للضغط، لأن كل نجاح يصبح بالنسبة إليه اختبارًا إضافيًا يجب اجتيازه.

المقارنة والكمال.. وقود إضافي

لا تأتي هذه المشاعر من عامل واحد، إذ يمكن أن تتداخل فيها عوامل عدة، من بينها النقد المستمر، والمقارنة بالآخرين، والتوقعات المرتفعة، والخوف من عدم تكرار النجاح.

وتضيف وسائل التواصل الاجتماعي بُعدًا آخر للمشكلة؛ فالتعرض المستمر لصور النجاحات والإنجازات قد يجعل الشخص يقارن واقعه الكامل بالصور المنتقاة من حياة الآخرين، ما يعزز شعوره بأنه متأخر أو أقل كفاءة.

وفي بيئات العمل شديدة التنافس، يمكن أن يتضاعف الأمر مع استمرار الحاجة إلى إثبات الذات وتحقيق نتائج جديدة.

كيف يكسر الشخص هذه الدائرة؟

يبدأ التعامل مع هذه المشاعر، في كثير من الحالات، بالتوقف عن اعتبارها دليلًا على عدم الكفاءة. ويمكن أن يساعد الاحتفاظ بسجل للإنجازات والتجارب الناجحة على رؤية الصورة بشكل أكثر واقعية، بدلًا من اختزال النجاح في الحظ أو الظروف.

كما يفيد النظر إلى الأخطاء باعتبارها جزءًا طبيعيًا من التعلم، والتقليل من المقارنات، ووضع أهداف يمكن تحقيقها بدلًا من مطاردة المثالية في كل خطوة.

وقد يكون التحدث مع شخص موثوق حول هذه المشاعر مفيدًا أيضًا، خصوصًا عندما يكتشف الفرد أن ما يمر به ليس تجربة فردية بالضرورة.

عندما يتجاوز الأمر مجرد الشك

الشعور بالشك في القدرات من وقت لآخر أمر مختلف عن أن يتحول إلى حالة مستمرة تؤثر في الحياة اليومية أو الدراسة أو العمل.

وفي هذه الحالة، قد يكون الحصول على دعم من متخصص في الصحة النفسية خطوة مناسبة، خصوصًا إذا ارتبطت المشاعر بقلق شديد أو ضغط مستمر أو أثرت بوضوح في الأداء والعلاقات.

الإنجاز لا يحتاج إلى «إذن» من الشك

المفارقة في متلازمة المحتال أن وجود الشك لا يعني بالضرورة غياب الكفاءة. فقد يحقق الشخص نجاحه بالفعل، لكن يظل غير قادر على رؤية العلاقة بين هذا النجاح وبين قدراته وجهده.

وفي النهاية، لا يعني النجاح أن يتوقف الإنسان عن الشك في نفسه تمامًا، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على تقييم نفسه بصورة واقعية، والاعتراف بما أنجزه، وفصل الأخطاء الطبيعية عن الحكم على قيمته أو كفاءته.