60 دقيقة تكتب بقية الحكاية.. الإعلام من ناقل للحدث إلى طرف في صناعته

10 سبتمبر 2026 - 11:34 صباحًا المؤثرون

لم يعد دور الإعلام يقتصر على نقل الأحداث وتغطيتها، بل أصبح أحد أدوات صناعة القرار والتأثير في السمعة وتوجيه المشهد العام، في وقت تتسارع فيه التحولات الإعلامية بوتيرة غير مسبوقة، وتتزايد معه الحاجة إلى قيادات قادرة على قراءة المشهد، وإدارة الأزمات، واتخاذ القرار تحت الضغط.

وفي هذا السياق، يبرز برنامج «قادة الإعلام» بوصفه مساحة لتطوير مهارات القيادات الإعلامية وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات المتسارعة في القطاع، من خلال مفاهيم ترتبط بالاستراتيجية والتأثير والتحول والقيادة وإدارة الأزمات.

وتعكس تجربة المشاركين في البرنامج، ومن بينهم الإعلامية فاطمة الشهري، تحولًا أوسع في طبيعة العمل الإعلامي؛ فالإعلامي اليوم لا يكتفي بأن يكون ناقلًا للخبر، بل أصبح مطالبًا بفهم البيئة التي يعمل داخلها، والتعامل مع الأزمات، وبناء التأثير، وقيادة فرق العمل في لحظات تتطلب سرعة في الاستجابة ودقة في القرار.

من ناقل للحدث إلى طرف في صناعته

الإعلام أحد أدوات صناعة القرار والتأثير في السمعة
الإعلام أحد أدوات صناعة القرار والتأثير في السمعة

تغيرت وظيفة الإعلامي مع تغير طبيعة المشهد الإعلامي نفسه. فلم يعد الجمهور ينتظر الخبر في موعد محدد أو من منصة واحدة، بل أصبح يتلقى المعلومات ويتفاعل معها ويعيد إنتاجها عبر منصات متعددة وفي لحظات متسارعة.

هذا التحول نقل الإعلامي من موقع المراقب والناقل إلى موقع أكثر تأثيرًا في صناعة القصة وتحديد زوايا تناولها، وهو ما يفرض امتلاك أدوات تتجاوز المهارات الصحفية التقليدية إلى فهم الاستراتيجية وإدارة التأثير واتخاذ القرار.

وتبرز هنا أهمية إعداد قيادات إعلامية تستطيع الجمع بين المعرفة المهنية والقدرة على إدارة المواقف المعقدة، خصوصًا عندما تتداخل سرعة انتشار المعلومات مع الأزمات والضغوط التي تفرضها بيئة العمل الإعلامي الحديثة.

المؤسسة التي لا تروي قصتها.. يرويها عنها غيرها

لم تعد سمعة المؤسسات تُبنى فقط من خلال ما تقوله عن نفسها، بل من خلال الصورة التي تتشكل عنها لدى الجمهور ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

ومن هنا أصبح الإعلام جزءًا أساسيًا من إدارة السمعة، وأداة تساعد المؤسسات على تقديم روايتها، والتعامل مع الأزمات، وتوضيح مواقفها، بدل ترك المجال للروايات البديلة لتحديد صورتها أمام الجمهور.

وتزداد أهمية هذا الدور في عصر تتسارع فيه دورة الأخبار، ويمكن لمعلومة واحدة أو مقطع قصير أن يتحول خلال دقائق إلى قضية واسعة الانتشار. وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تمتلك المؤسسة رسالة واضحة، بل تحتاج إلى قيادة إعلامية قادرة على تحديد الرسالة المناسبة، واختيار التوقيت، وإدارة ردود الفعل، والتعامل مع الضغوط المتلاحقة.

التأثير لا يُشترى.. يُبنى طبقة فوق طبقة

التأثير الإعلامي المستدام لا ينتج عن حملة واحدة أو ظهور عابر، وإنما يتشكل تدريجيًا عبر تراكم الثقة والمصداقية وفهم الجمهور والقدرة على تقديم محتوى مؤثر ومتسق.

ولهذا أصبح بناء التأثير جزءًا من الاستراتيجية الإعلامية، وليس مجرد نتيجة جانبية للتغطية الصحفية. فالمؤسسة التي تعرف جمهورها وتفهم احتياجاته وتقدم رسائل واضحة ومتسقة تكون أكثر قدرة على بناء حضور طويل الأمد.

ومن هذا المنطلق، تكتسب مفاهيم الاستراتيجية والتحول والتأثير أهمية خاصة في برامج إعداد القيادات الإعلامية، لأنها تساعد المشاركين على الانتقال من التعامل مع الحدث بعد وقوعه إلى التفكير في كيفية إدارة المشهد والتأثير في مساره.

«الإعلام أداة صنع قرار».. والقيادة تبدأ من إدارة الأزمة تحت الضغط

تختصر تجربة المشاركين في برنامج «قادة الإعلام» جانبًا مهمًا من التحول الذي يشهده القطاع، إذ لم يعد تطوير الإعلام منفصلًا عن تطوير الإعلاميين أنفسهم، خصوصًا في ظل سرعة التغير التي يشهدها المجال.

وتوضح فاطمة الشهري أن الإعلام أصبح «أداة صنع قرار وأداة تأثير على السمعة»، مشيرة إلى أن هذا الدور يتجلى في الاهتمام الذي توليه المملكة لتطوير قطاع الإعلام والإعلاميين، ومن بينهم المشاركون في برنامج «قادة الإعلام».

وتشير إلى أن المادة العلمية في البرنامج تناولت مفاهيم الاستراتيجية والتحول والتأثير في الإعلام، إلى جانب التركيز على الإدارة تحت الضغط، باعتبارها مهارة أساسية للعاملين في المجال الإعلامي، الذي يرتبط بطبيعته بسرعة الأحداث وتغيرها المستمر.

كما تتناول التجربة طرقًا واستراتيجيات لإدارة الأزمات والقيادة تحت الضغط، بما يساعد القيادات الإعلامية على التعامل مع المواقف الطارئة واتخاذ القرارات في بيئات لا تسمح دائمًا بوقت طويل للتحليل أو التردد.

وتؤكد الشهري أن تطوير المهارات القيادية لا يرتبط بمرحلة زمنية محددة، بل يمثل عملية مستمرة، خصوصًا بالنسبة للقائد الإعلامي الذي يعمل في قطاع يتغير بوتيرة سريعة، ما يجعل التعلم المستمر أحد متطلبات مواكبة التحولات وقيادة المشهد بكفاءة.

ويعكس ذلك تحولًا أوسع في مفهوم القيادة الإعلامية؛ فالقائد لم يعد مطالبًا بإدارة فريق أو مؤسسة فحسب، وإنما بفهم التحولات التي تعيد تشكيل القطاع، وقراءة المخاطر قبل تفاقمها، وإدارة الأزمات تحت الضغط، وبناء تأثير قادر على الاستمرار.

ومع تسارع التغيير في صناعة الإعلام، تصبح الـ60 دقيقة التي تفصل بين وقوع الحدث وانتشار رواياته مساحة حاسمة؛ فإما أن تستخدم المؤسسة هذه المساحة لتكتب روايتها وتدير تأثيرها، أو تترك الآخرين ليكتبوا بقية الحكايةنيابة عنها.