فندق يموت كل ربيع ويولد كل شتاء.. حكاية «آيس هوتيل» السويدي الذي لا يتكرر مرتين
في أقصى شمال السويد، حيث الشتاء جزء من طبيعة الحياة، يتكرر كل عام مشهد استثنائي لفندق لا يشبه أي فندق آخر؛ مبنى كامل من الثلج والجليد يُشيَّد مع بداية موسم البرد، يستقبل الزوار في درجات حرارة تحت الصفر، ثم يبدأ في الذوبان مع حلول الربيع، لتعود المياه إلى الطبيعة، قبل أن تبدأ عملية بناء نسخة جديدة في الشتاء التالي.
إنه «آيس هوتيل» (ICEHOTEL)، الواقع في قرية يوكاياِرفي شمال السويد، بالقرب من نهر تورن، والذي تحولت فكرته التي بدأت عام 1989 إلى تجربة سياحية وفنية تتجدد كل عام، إذ لا يحتفظ الفندق بتصميم ثابت، بل يقدم في كل موسم مجموعة جديدة من الغرف والمنحوتات التي يصممها فنانون من أنحاء العالم.
نهر تورن يُقرضهم جليده.. ثم يستردّه كاملًا

من نهر تورن تبدأ الحكاية وتنتهي. ففي أشهر الشتاء، يجمع القائمون على الفندق كميات كبيرة من الجليد من النهر عندما يصل إلى السماكة المناسبة، ثم تُخزن الكتل الجليدية في مستودعات خاصة لاستخدامها في بناء الفندق والأعمال الفنية.
ويجمع الفندق نحو 5 آلاف طن من الجليد سنويًا، قبل أن تبدأ عمليات البناء مع اقتراب موسم الشتاء. وعندما ترتفع درجات الحرارة في الربيع، يبدأ الفندق الشتوي في الذوبان، وتعود المياه إلى النهر ضمن دورة طبيعية تمثل أحد أبرز عناصر فلسفة المشروع البيئية.
وهكذا لا يبقى المبنى في المكان بصورة دائمة، وإنما يتحول الجليد مؤقتًا إلى غرف ومنحوتات وممرات، قبل أن يعود إلى مصدره الطبيعي.
12 جناحًا لن يراها أحد بعد أبريل

لا يقدم «آيس هوتيل» تصميمًا واحدًا يتكرر كل عام، بل يعيد ابتكار جزء كبير من تجربته مع كل موسم. وفي نسخة ICEHOTEL 33 لموسم 2022-2023، صمم فنانون من دول مختلفة 12 جناحًا فنيًا، إلى جانب 24 غرفة جليدية وقاعة للاحتفالات.
ولم تكن الأجنحة مجرد غرف للإقامة، بل أعمالًا فنية صُممت خصيصًا لتلك النسخة من الفندق. بعضها استلهم ألعاب الفيديو، وبعضها الآخر استند إلى مدارس فنية أو أساطير قديمة، فيما تحولت كتل الجليد إلى منحوتات وتفاصيل معمارية دقيقة.
لكن هذه الأعمال كانت تحمل موعدًا نهائيًا لا يمكن تأجيله؛ فمع حلول الربيع وارتفاع درجات الحرارة، تبدأ النسخة الشتوية في الذوبان، لتختفي التصميمات التي استغرق تنفيذها أسابيع، وتفسح المجال أمام فنانين آخرين وتصميمات جديدة في الموسم التالي.
«باوهاوس» في القطب الشمالي: جناح يعيدك قرنًا للوراء

من بين التصميمات اللافتة في تلك النسخة جناح Bauh-Ice، الذي استلهم مدرسة «باوهاوس» الفنية والتصميمية التي ظهرت في ألمانيا خلال القرن العشرين.
اعتمد التصميم على الأشكال الهندسية والخطوط الواضحة والأثاث ذي المنحنيات، في محاولة لنقل فلسفة باوهاوس إلى بيئة مختلفة تمامًا؛ فبدلًا من الخشب والمعدن والزجاج، أصبحت المادة الأساسية هي الثلج والجليد.
وتحوّل الجناح إلى تجربة تجمع بين التصميم والعمارة والفن، لكن مع فارق جوهري: المبنى نفسه مؤقت، وعمره مرتبط بدرجات الحرارة خارج أسواره.
امرأة بوجه قطة: أسطورة سلتية منحوتة في الثلج
وفي جناح Maighdeann-ròin، اتجه الفنانون إلى عالم الأساطير السلتية، مستلهمين قصة الـ«Selkie»، وهي مخلوقات أسطورية ترتبط في الحكايات الشعبية الاسكتلندية بالبحر والتحول بين هيئة الفقمة وهيئة الإنسان.
حُولت الأسطورة إلى منحوتات وتفاصيل جليدية داخل الجناح، مع استخدام الموسيقى والعناصر البصرية لخلق تجربة تتجاوز مشاهدة المنحوتة إلى الدخول في أجواء الحكاية نفسها.
وتظهر في التصميم شخصيات وأشكال مستوحاة من عالم الأسطورة، بينما تخفي بعض التفاصيل رسائل وعناصر لا يكتشفها الزائر بالضرورة من النظرة الأولى.
غرفة ألعاب فيديو من الجليد اسمها «هاي سكور»
وفي اتجاه أكثر حداثة، جاء جناح High Score مستوحى من عالم ألعاب الفيديو، مستعيدًا أجواء غرف الألعاب الكلاسيكية ومنافسات اللاعبين.
لكن هذه المرة، لم تكن تجربة الألعاب محاطة بالجدران التقليدية؛ فالجدران والمنحوتات والتفاصيل الداخلية نفسها صُنعت من الجليد.
الفكرة حولت الجناح إلى مساحة تجمع بين الفن والحنين إلى ألعاب الفيديو القديمة، ليجد الزائر نفسه داخل عالم مستوحى من الألعاب، بدلًا من مشاهدته عبر شاشة.
وكغيره من أجنحة الفندق الشتوي، كان التصميم مؤقتًا، ومصيره مرتبطًا بانتهاء الموسم وبدء الجليد في الذوبان.
الجزء الذي رفض الذوبان: نسخة تعمل طوال العام بالطاقة الشمسية
ورغم أن فلسفة «آيس هوتيل» تقوم على الذوبان وإعادة البناء، فإن جزءًا من المشروع اختار البقاء طوال العام.
في عام 2016، افتُتحت ICEHOTEL 365، وهي منشأة تتيح للزوار تجربة الإقامة داخل الغرف الجليدية حتى خلال أشهر الصيف، عندما تكون النسخة الشتوية التقليدية قد ذابت.
ويتم الحفاظ على درجات الحرارة داخل المنشأة عند نحو 5 درجات مئوية تحت الصفر، باستخدام نظام تبريد يعتمد جزئيًا على الطاقة التي تنتجها الألواح الشمسية خلال الأشهر الأكثر سطوعًا.
وبذلك، تحولت الشمس من عامل يهدد بقاء الجليد إلى مصدر للطاقة يساعد على الحفاظ عليه، في نموذج يجمع بين السياحة والتصميم وتقنيات التبريد والطاقة المتجددة.
الضيف يغادر ومعه شهادة.. مكتوب فيها درجة حرارة ليلته
الإقامة في «آيس هوتيل» تختلف جذريًا عن تجربة الفنادق التقليدية. فالضيف يقضي الليل في غرفة تبلغ حرارتها نحو 5 درجات مئوية تحت الصفر، داخل كيس نوم مخصص للظروف شديدة البرودة، مع تجهيزات تساعد على الحفاظ على دفء الجسم.
وعند الاستيقاظ، ينتقل الضيف إلى مساحة دافئة للاستحمام وتغيير الملابس، بينما تظل الغرفة الجليدية كما هي، بانتظار زائر جديد.
لكن ما يبقى من التجربة ليس الغرفة فقط، بل قصة مكان يعرف الضيف منذ لحظة دخوله أنه لن يبقى إلى الأبد.
وهنا تكمن خصوصية «آيس هوتيل»: فالفندق لا يبيع إقامة في مبنى ثابت، وإنما يبيع تجربة مؤقتة لا يمكن تكرارها بالطريقة نفسها. كل شتاء يأتي بتصميمات جديدة، وكل ربيع تختفي معظمها، فيما يعود الجليد في النهاية إلى الطبيعة التي جاء منها.
فندق يموت كل ربيع ويولد كل شتاء.. حكاية «آيس هوتيل» السويدي الذي لا يتكرر مرتين pic.twitter.com/9RHJA28T0v
— نجلاء جان | سياحة وسفر (@NajlahYS) September 7, 2026
https://slategray-wallaby-110781.hostingersite.com/programs/147089/
