من استيراد التقنيات إلى تصنيعها.. السعودية توطن 18 مكونًا لصناعة المياه باستثمارات تتجاوز 11 مليار ريال
تدخل المملكة مرحلة جديدة في تطوير قطاع المياه، لا تكتفي خلالها بإدارة مواردها المائية ورفع كفاءة منظومتها، بل تتجه إلى تحويل هذا القطاع إلى قاعدة صناعية وطنية متكاملة، عبر توطين التقنيات والمكونات الأساسية، ونقل المعرفة والخبرات العالمية، وبناء قدرات محلية قادرة على التصنيع والتطوير والتصدير.
ويأتي هذا التحول في ظل ما حققه قطاع المياه في المملكة من نضج تشغيلي وتقني، إلى جانب قوة الطلب المحلي وتوافر جزء كبير من مدخلات الإنتاج والخبرات الوطنية، بما يفتح المجال أمام تحويل الاحتياجات المتزايدة للقطاع إلى فرص صناعية واستثمارية، تدعم سلاسل الإمداد وتعزز الأمن المائي، وتمنح المملكة موقعًا أكثر تقدمًا في صناعة تقنيات المياه على المستويين الإقليمي والعالمي.
18 مكونًا تمثل 90% من صناعة المياه

ويستهدف برنامج توطين الصناعات والخدمات المائية توطين 18 مكونًا أساسيًا تمثل نحو 90% من المكونات الرئيسة لصناعة المياه، من خلال 18 فرصة استثمارية، بما يعكس انتقال المملكة من مرحلة تأمين المنتجات والمكونات من الخارج إلى بناء القدرة على تصنيعها وتطويرها محليًا.
وتشير التقديرات إلى أن الطلب المحلي التراكمي المتوقع على هذه الفرص يتجاوز 15 مليار ريال حتى عام 2033، بينما يصل حجم الطلب المتوقع عليها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 65 مليار ريال، وهو ما يوفر قاعدة طلب واسعة للصناعات المستهدفة، ويعزز فرص نموها والتوسع في الأسواق الإقليمية والدولية.
6 فرص استثمارية تدخل مرحلة التنفيذ

وتحول البرنامج مؤخرًا من مرحلة طرح الفرص الاستثمارية إلى التنفيذ الفعلي، إذ أعلنت الهيئة السعودية للمياه انتقال 6 فرص استثمارية إلى مرحلة التنفيذ الصناعي، من بينها 5 فرص جديدة، من خلال توقيع 3 اتفاقيات لتوطين الصناعة وتدشين مصنعين.
وتتضمن الاتفاقيات إنشاء 7 مصانع، بإجمالي استثمارات يبلغ نحو 2.8 مليار ريال، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو ربط الفرص الاستثمارية بمشروعات صناعية فعلية، وتأسيس قاعدة إنتاج محلية للتقنيات والمكونات التي يعتمد عليها قطاع المياه.
ويأتي ذلك بالتعاون مع هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، وبمساندة منظومتي الصناعة والثروة المعدنية والاستثمار، بهدف مواءمة احتياجات قطاع المياه الحالية والمستقبلية مع فرص التصنيع المحلي، وتوفير رؤية أوضح للمستثمرين بشأن حجم الطلب، بما يشجع على نقل المعرفة والتقنية وتوطين خطوط الإنتاج داخل المملكة.
70% من مدخلات الإنتاج متاحة محليًا

وتتمتع الصناعات المستهدفة بمقومات تدعم توطينها، إذ تتوافر داخل المملكة نحو 70% من مدخلات إنتاج المكونات المستهدفة، بالتزامن مع توسع قاعدة الموردين في قطاع المياه بصورة كبيرة.
وارتفع عدد الموردين من 739 موردًا في عام 2022 إلى 3,441 موردًا في عام 2026، فيما صعدت نسبة المحتوى المحلي في القطاع من 45% عام 2020 إلى 68.27% خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعزز قدرة المملكة على بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة حول قطاع المياه.
ولا يقتصر التوطين على إنشاء المصانع ونقل خطوط الإنتاج، بل يمتد إلى البحث والتطوير ونقل المعرفة والتقنيات وبناء الكفاءات اللازمة لتشغيل الصناعات وتطوير منتجاتها، إذ تشترط الاتفاقيات ألا تقل نسبة القوى العاملة في الوظائف النوعية عن 70%، ليرتبط الاستثمار الصناعي بتنمية الكفاءات الهندسية والفنية الوطنية.
من أغشية التحلية إلى أنظمة التحكم

وتشمل الصناعات الجاري توطينها منتجات أغشية التناضح العكسي، وموانع الترسب، ومواد الغسيل الكيميائي للأغشية، إلى جانب أجهزة استعادة الطاقة ومضخات الضغط العالي، وأنظمة التحكم الموزعة (DCS)، وأنظمة التحكم الإشرافي وتحصيل البيانات (SCADA).
وتشكل هذه المكونات سلسلة صناعية وتقنية مترابطة تخدم مراحل إنتاج المياه وتشغيل منشآتها، فيما تمتد تطبيقات عدد منها إلى قطاعات أخرى، من بينها الطاقة والتعدين والزراعة والصناعات الغذائية، ما يوسع الأثر الاقتصادي للتوطين خارج قطاع المياه نفسه.
مصانع بشراكات عالمية داخل المملكة
وتعكس المشروعات الجديدة تنامي حضور المملكة على خريطة تصنيع تقنيات المياه عالميًا، من خلال شراكات مع شركات دولية متخصصة.
ومن بين هذه المشروعات 4 مصانع لشركة «إيتالماتش كيميكالز» في وعد الشمال والجبيل وجدة، من المقرر أن تبدأ إنتاجها عام 2028، ويضم مجمع الشركة في وعد الشمال أكبر تجمع صناعي لها خارج إيطاليا.
كما تشمل المشروعات مصنع «توريشيما» لمضخات الضغط العالي في جدة، ومصنع «إنرجي ريكفري» لأجهزة استعادة الطاقة في الدمام، ومصنع الفنار في الرياض لإنتاج أنظمة التحكم الموزعة، ليصل عدد المصانع المرتبطة بالفرص المنتقلة إلى مرحلة التنفيذ إلى 7 مصانع.
ومن المقرر أن يبدأ مصنع «إنرجي ريكفري» تزويد نحو ثلث عملاء الشركة حول العالم من المملكة اعتبارًا من الربع الأول من عام 2027، بما يعكس تحول بعض المشروعات من تلبية الطلب المحلي إلى العمل كمراكز إنتاج وتصدير للأسواق العالمية.
مصنع «توراي» يفتح باب التصدير
ولا تبدأ قصة التوطين من الصفر، إذ دخلت بعض القدرات الصناعية بالفعل مرحلة الإنتاج. وبدأ مصنع «توراي» لأغشية التناضح العكسي في الدمام الإنتاج عام 2025، ليصبح أكبر مصنع لتقنيات أغشية تحلية المياه في الشرق الأوسط، وثاني مصنع للشركة من هذا النوع خارج اليابان.
وبإضافة هذا المصنع، يصل إجمالي المصانع المرتبطة ببرنامج توطين صناعة المياه إلى 8 مصانع، بما يعكس انتقال البرنامج تدريجيًا من استهداف التوطين إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة.
كما امتد أثر نقل المعرفة إلى رفع الكفاءة التشغيلية؛ إذ بلغت كفاءة مضخات الضغط العالي 91%، فيما أسهم تطوير أغشية التناضح العكسي المنتجة محليًا في رفع الطاقة الإنتاجية لمحطة الخبر من 600 ألف إلى 700 ألف متر مكعب يوميًا دون تكاليف إضافية.
من الاكتفاء الذاتي إلى تصدير المنتجات لـ27 دولة
وأظهر توطين التقنيات أثرًا يتجاوز تأمين احتياجات السوق المحلية، إذ حققت المملكة الاكتفاء الذاتي من أغشية التناضح العكسي المنتجة محليًا، ونجحت في تصديرها إلى 27 دولة، بما يعكس إمكانية تحول الصناعة المحلية إلى مصدر جديد للنمو والتوسع الخارجي.
ويستهدف البرنامج كذلك تقليص مدد توريد المكونات الرئيسة بنسبة تتراوح بين 50 و70%، بما يرفع مرونة سلاسل الإمداد ويعزز موثوقية التشغيل واستمرارية خدمات المياه، خصوصًا في ظل الاعتماد المتزايد على التقنيات والمكونات المتخصصة.
4.36 مليار ريال أثرًا اقتصاديًا للفرص الست
وتشير التقديرات إلى أن الفرص الاستثمارية الست التي انتقلت إلى مرحلة التنفيذ يمكن أن تحقق أثرًا يقدر بنحو 4.36 مليار ريال في الناتج المحلي حتى عام 2033، إلى جانب استحداث نحو 3,090 وظيفة نوعية هندسية وفنية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
كما يُتوقع أن تسهم هذه المشروعات في خفض تكاليف المنتجات المستهدفة بنسبة تتراوح بين 20 و30%، فيما يبلغ حجم الطلب المحلي المرتبط بالفرص الست نحو 11.37 مليار ريال، مع استهداف تصدير ما بين 20 و50% من الإنتاج، بحسب طبيعة كل منتج وحجم الطلب الخارجي.
وعلى مستوى برنامج التوطين الكامل، تستهدف المملكة جذب استثمارات تصل إلى نحو 11 مليار ريال بحلول عام 2033، واستحداث قرابة 12 ألف فرصة عمل نوعية هندسية وفنية مباشرة وغير مباشرة.
صناعة المياه كرافعة للأمن المائي والاقتصاد
ويعكس هذا المسار تحولًا في النظرة إلى قطاع المياه، من كونه قطاعًا خدميًا يعتمد على شراء التقنيات والمكونات إلى قطاع قادر على تطوير التقنيات وتصنيعها وتصديرها، مستفيدًا من حجم الطلب المحلي وتوافر المدخلات والبنية الصناعية والشراكات العالمية.
وبذلك، لا يقتصر أثر توطين صناعة المياه على تقليل الاعتماد على الواردات، وإنما يمتد إلى نقل المعرفة والتقنية، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز المحتوى المحلي، ورفع كفاءة الأصول، وتقوية سلاسل الإمداد، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات السعودية.
ويأتي هذا التحول متسقًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 والاستراتيجية الوطنية للمياه والاستراتيجية الوطنية للصناعة، في اتجاه يجعل من المملكة منصة إقليمية لصناعة تقنيات المياه، ويحول نضج قطاع المياه وقوة الطلب عليه إلى قيمة صناعية واقتصادية مستدامة، تدعم الأمن المائي وتعزز القدرة التنافسية للمملكة في الأسواق العالمية.
من استيراد التقنيات إلى تصنيعها.. السعودية توطن 18 مكونًا لصناعة المياه باستثمارات تتجاوز 11 مليار ريال pic.twitter.com/UB45Qaov1P
— Taf3ol Saudi Arabia | تفاعل السعودية (@Taf3olKSA) September 3, 2026
https://slategray-wallaby-110781.hostingersite.com/programs/146412/
