هل يصبح الذكاء الاصطناعي صديقك المفضل؟.. لماذا يختار البعض «الفضفضة» مع الروبوتات؟

25 أغسطس 2026 - 12:02 مساءً المؤثرون

قد يكون السؤال الذي يطرحه شخص على ChatGPT بسيطاً: «أماذا أفعل في هذه المشكلة ؟»، لكن المحادثة قد لا تنتهي عند إجابة واحدة. ربما يشرح المستخدم ما حدث، ثم يضيف تفاصيل أخرى، ثم يسأل عن مشاعره، قبل أن يصل الحوار في النهاية إلى مساحة تشبه الفضفضة أكثر مما تشبه استخدام أداة رقمية.

هذا التحول في طريقة التعامل مع الذكاء الاصطناعي دفع الباحثين إلى دراسة ظاهرة جديدة نسبياً: ماذا يحدث عندما لا يستخدم الإنسان روبوت المحادثة لإنجاز مهمة، وإنما للحديث عن نفسه؟

ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح هذا النوع من التفاعل جزءاً من تجربة بعض المستخدمين اليومية، ما يفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول الوحدة، والصداقة، والدعم النفسي، وإمكانية أن تتحول الآلة من مساعد رقمي إلى رفيق دائم.

لماذا يلجأ البعض إلى الروبوت بدلاً من صديق؟

صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي

أحد أسباب جاذبية روبوتات المحادثة هو أنها متاحة في أي وقت تقريباً، ولا تتطلب من المستخدم أن ينتظر حتى يكون الطرف الآخر متفرغاً.

يمكن للشخص أن يبدأ الحديث من دون مقدمات، ويحكي القصة بالطريقة التي يريدها، ثم يعيد شرحها أو تغييرها أو التراجع عنها. كما أن طبيعة الحوار تمنحه مساحة للكتابة من دون الخوف من الإحراج أو المقاطعة أو إصدار حكم سريع.

وهذه الخصائص تجعل الذكاء الاصطناعي خياراً مغرياً في لحظات معينة، خصوصاً لمن يريد إخراج ما يدور في ذهنه قبل اتخاذ قرار أو التحدث مع شخص آخر.

لكن سهولة الوصول لا تعني أن الروبوت أصبح بديلاً عن الصديق.

صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي

«الفضفضة» قد تمنح راحة.. لكن إلى أي مدى؟

اهتمت أبحاث حديثة بقياس التأثير العاطفي للمحادثات مع روبوتات الذكاء الاصطناعي، من بينها دراسة مشتركة بين OpenAI وMIT Media Lab تناولت أنماط الاستخدام العاطفي لـChatGPT وعلاقتها بالوحدة والتفاعل الاجتماعي.

وفي تجارب أخرى، وجد الباحثون أن الحديث مع روبوت محادثة يمكن أن يمنح بعض المستخدمين شعوراً مؤقتاً بالتحسن أو الدعم، لكن طبيعة هذا التأثير تختلف بحسب طريقة استخدام النظام وتوقعات الشخص منه.

وهنا تظهر نقطة مهمة: الشعور بالراحة بعد محادثة مع الذكاء الاصطناعي لا يساوي بالضرورة بناء علاقة اجتماعية ناجحة.

فالإنسان قد يشعر بأنه أفضل بعد أن يكتب مشكلته ويقرأ رداً منظماً، لكن ذلك لا يخبرنا وحده بما إذا كان هذا التفاعل سيقوده لاحقاً إلى مزيد من التواصل مع الآخرين، أم سيجعله أقل رغبة في القيام بذلك.

عندما دخل البشر المنافسة

صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي

لم يكتفِ الباحثون بسؤال المستخدمين عن شعورهم بعد التحدث مع الذكاء الاصطناعي، بل حاولوا أيضاً مقارنة التجربة بالتواصل مع أشخاص حقيقيين.

وفي إحدى الدراسات التي قارنت التفاعل اليومي مع روبوت محادثة بالتواصل مع إنسان، حقق المشاركون الذين تحدثوا مع شخص حقيقي فوائد أكبر في بعض مؤشرات الوحدة مقارنة بمن تحدثوا مع الروبوت.

النتيجة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي عديم الفائدة، لكنها تضع حدوداً لفكرة أن المحادثة الرقمية يمكن أن تحل بسهولة محل العلاقة الإنسانية.

فالصديق لا يقدم مجرد «رد» على مشكلة؛ العلاقة نفسها تقوم على تاريخ مشترك، وذكريات، وحضور متبادل، وتجارب يعيشها الطرفان معاً.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الروبوت «الشخص الوحيد»

صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي

لا تكمن المخاوف الرئيسية في أن يتحدث شخص مع الذكاء الاصطناعي عن مشاعره من وقت لآخر، وإنما في طبيعة العلاقة التي قد تتشكل مع استمرار الاستخدام.

فإذا كان المستخدم يستعين بالروبوت لترتيب أفكاره قبل الاتصال بصديقه، فالدور هنا مختلف تماماً عن شخص أصبح يلجأ إليه في كل أزمة، ويتجنب بسببه الحديث مع الآخرين، أو يشعر بأن المحادثة مع الآلة أكثر أماناً وأسهل من أي علاقة حقيقية.

وهذا النوع من الاستخدام هو ما يجعل «الاعتماد العاطفي» أحد الموضوعات التي تحظى باهتمام متزايد في أبحاث الذكاء الاصطناعي.

الاستخدام المكثف يثير أسئلة جديدة

صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي

مع انتشار المحادثات الطويلة والمتكررة، لم يعد الباحثون ينظرون فقط إلى ما يقوله الذكاء الاصطناعي للمستخدم، وإنما إلى ما يفعله المستخدم نتيجة لهذا التفاعل.

وأظهرت بعض الأبحاث ارتباط الاستخدام اليومي المكثف بنتائج أقل إيجابية لدى بعض المستخدمين في مؤشرات مرتبطة بالرفاه والتفاعل الاجتماعي، لكن النتائج ليست متطابقة بين جميع الأشخاص.

وهذا أمر مهم؛ لأن العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزالها في عدد ساعات الاستخدام وحده. فالشخص الذي يستخدم الروبوت للتعلم أو العمل يختلف عن شخص يقضي وقتاً طويلاً في محادثات ذات طابع عاطفي، كما تختلف النتائج باختلاف احتياجات المستخدم وحياته الاجتماعية خارج التطبيق.

هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي «رفيقاً»؟

ربما يكون من المبكر الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً كاملاً للصداقة، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن بعض المستخدمين بدأوا يتعاملون معه باعتباره مساحة للحديث الشخصي.

يمكن أن يكون دوره عملياً في مواقف كثيرة: محاكاة حوار صعب، ترتيب الأفكار، اقتراح أسئلة، أو مساعدة الشخص على فهم المشكلة قبل أن يناقشها مع الآخرين.

لكن الفرق الأساسي يظل في الغرض من الاستخدام.

إذا كان الذكاء الاصطناعي يساعد الإنسان على العودة إلى حياته وعلاقاته بصورة أفضل، فقد يكون أداة مفيدة. أما إذا أصبح وسيلة للانسحاب من تلك العلاقات، فهنا يتحول السؤال من «هل الذكاء الاصطناعي مفيد؟» إلى «هل بدأ يحل محل شيء نحتاج إليه من البشر؟».

الصديق الذي لا ينام.. هل هو صديق فعلاً؟

قد تكون أكبر جاذبية في روبوت المحادثة أنه لا يتعب من القصة نفسها، ولا يطلب من المستخدم التوقف عن الحديث، ولا يحتاج إلى أن يكون في مزاج مناسب للاستماع.

لكن العلاقات الإنسانية تحديداً لا تقوم على هذه المثالية.

الصديق قد يختلف معنا، أو يتأخر في الرد، أو لا يعرف ماذا يقول، لكنه يعيش معنا الواقع نفسه، ويمكن أن يشاركنا لحظة حقيقية، أو يتدخل لمساعدتنا، أو يحمل معنا ذكريات وتجارب لا يمكن لروبوت محادثة أن يعيشها بالمعنى نفسه.

لذلك، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى مساحة الفضفضة لا يعني بالضرورة اختفاء الصداقة، لكنه يغير الطريقة التي يمكن أن يبحث بها الإنسان عن الدعم والونس.

وربما يكون التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة ليس في قدرة الآلة على أن تبدو أكثر شبهاً بالصديق، وإنما في قدرة الإنسان على ألا ينسى قيمة الصديق الحقيقي وسط هذا التشابه.