حين يصبح الترند هدفًا.. كيف تحول البحث عن المشاهدات إلى تجاوز للقيم والمخاطر؟
حين يصبح الترند هدفًا.. كيف تحول البحث عن المشاهدات إلى تجاوز للقيم والمخاطر؟ pic.twitter.com/nSxSxSAAmF
— Taf3ol Saudi Media | تفاعل للإعلام (@Taf3olMedia) August 19, 2026
تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة يتنافس فيها صناع محتوى على جذب الانتباه بأي وسيلة، من التحديات الخطرة إلى التصرفات الصادمة، وصولًا إلى استغلال مناسبات وأماكن يفترض أن تحظى بقدر من الاحترام والخصوصية.
ولا تقف تداعيات هذا النوع من المحتوى عند حدود صاحبه، إذ يرى مختصون أن تكرار المشاهد الصادمة أمام الجمهور، خصوصًا الأطفال والمراهقين، قد يسهم في تطبيع سلوكيات مرفوضة وتحويل الشهرة وعدد المشاهدات إلى معيار للنجاح.
من التحديات الخطرة إلى المحتوى الصادم
شهدت منصات التواصل خلال السنوات الماضية انتشار تحديات اتخذت من المخاطرة والإثارة وسيلة لجذب المشاهدات، من بينها تحديات مرتبطة بتناول مواد قد تضر بالصحة، أو حبس النفس، أو النزول من مركبة متحركة، أو تسلق هياكل غير مستقرة.
وامتد الأمر إلى محتوى يقوم على الصدمة وإثارة الجدل، بما في ذلك بثوث مباشرة تتضمن شجارات وإهانات متبادلة أو تصرفات مؤذية، بهدف زيادة التفاعل والحصول على الهدايا الرقمية.
وفي حالات أخرى، انتقل البحث عن المشاهدات إلى أماكن ومناسبات يفترض أن تحظى بالاحترام، كما في تصوير احتفالات شخصية داخل المقابر، وهو ما أثار انتقادات بسبب ما يحمله من تجاوز لحرمة المكان وطبيعته.
الخوارزميات.. عندما يصبح الجدل أداة للانتشار
يرى مختصون أن جزءًا من المشكلة يرتبط بطبيعة البيئة الرقمية التي تمنح المحتوى القادر على جذب الانتباه فرصًا أكبر للانتشار والتفاعل.
ويشير رئيس قسم الإعلام وعلوم الاتصال بجامعة الطائف الدكتور محسن القرني إلى أن بعض المنصات تكافئ المحتوى المثير والصادم بزيادة الانتشار والتفاعل، بغض النظر عن قيمته أو أثره الاجتماعي.
وبحسب القرني، قد يدفع ذلك بعض المستخدمين، خصوصًا صغار السن والباحثين عن الشهرة السريعة، إلى تقليد سلوكيات غير مسؤولة بحثًا عن المشاهدات والإعجابات.
ويؤكد أن التعامل مع الظاهرة لا يتوقف على المستخدم وحده، بل يتطلب دورًا من الإعلام والأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية، إلى جانب سياسات المنصات في التعامل مع المحتوى الضار أو المضلل.
من الشهرة إلى تشويه مفهوم النجاح
لا يرى الاستشاري النفسي الدكتور الطويرقي أن الرغبة في الشهرة ظاهرة غير طبيعية في حد ذاتها، لكنه يفرق بين الشهرة التي تأتي نتيجة إنجاز وعمل، وتلك التي تتحول إلى هدف قائم بذاته.
ويشير إلى أن بعض الباحثين عن الشهرة السريعة قد يلجؤون إلى وسائل تتجاوز الضوابط الأخلاقية والاجتماعية، خصوصًا عندما يصبح عدد المتابعين وحجم التفاعل مقياسًا للقيمة الشخصية.
وقد ترتبط بعض هذه السلوكيات، بحسب الطويرقي، بسمات أو مشكلات تتعلق بتقدير الذات، وهو ما يستدعي تقييم كل حالة بصورة متخصصة، بدل تعميم تشخيص نفسي على جميع صناع هذا النوع من المحتوى.
التكرار يغير حدود المقبول
ترى الأخصائية الاجتماعية بدرية شراحيلي أن الخطر لا يكمن فقط في السلوك الصادم، وإنما في تكراره أمام الجمهور، وما قد ينتج عنه من تراجع تدريجي في مستوى الاستنكار تجاهه.
وتشير إلى مفهوم التبلد الأخلاقي، الذي يعني تراجع حساسية المتلقي تجاه السلوكيات المرفوضة مع تعرضه المتكرر لها، ما قد يجعل بعض التصرفات تبدو أكثر اعتيادًا بمرور الوقت.
وتحذر من انعكاس ذلك بصورة خاصة على المراهقين، الذين يعيشون مرحلة تشكيل الهوية والبحث عن القبول الاجتماعي، ما قد يجعلهم أكثر قابلية لتقليد السلوكيات التي تحظى بانتشار واسع.
وترى شراحيلي أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى أكثر من المنع، عبر تعزيز التفكير النقدي، وتقوية الانتماء الأسري، وترسيخ مفهوم القيمة الشخصية بعيدًا عن عدد المتابعين والمشاهدات.
المحتوى الصادم.. مسؤولية تتجاوز صاحب الحساب
من الجانب القانوني، يرى المحامي والمستشار الشرعي والقانوني الدكتور فيصل سعد العصيمي أن حرية التعبير والنشر تظل مرتبطة بالحدود النظامية، وأن المحتوى قد يتحول إلى مخالفة عندما يتضمن فعلًا مجرمًا أو تحريضًا عليه، أو يعرض سلامة الأشخاص للخطر، أو ينتهك الحقوق والخصوصية، أو يتضمن تشهيرًا أو محتوى مخالفًا للآداب والذوق العام.
ويشير إلى أن صانع المحتوى قد يتحمل مسؤولية قانونية إذا ثبتت علاقة سببية بين المحتوى المنشور والضرر الناتج عنه، وقد تشمل المسؤولية جوانب جزائية ومدنية وفقًا لطبيعة كل حالة.
كما أن التحريض أو التشجيع على سلوكيات خطرة أو غير مشروعة قد يرتب مسؤولية قانونية متى توافرت شروطها النظامية، حتى إذا لم يباشر المحرض الفعل بنفسه.
ويكتسب الأمر حساسية أكبر عندما يستهدف المحتوى الأطفال أو المراهقين، بالنظر إلى قدرتهم المحدودة نسبيًا على تقدير المخاطر وتأثرهم بالمحتوى المتداول.
المقابر.. مساحة للاتعاظ لا للاحتفال
أثار تصوير مناسبات شخصية داخل المقابر جانبًا آخر من النقاش، يتعلق بحدود التعامل مع الأماكن التي تحمل حرمة دينية واجتماعية.
ويؤكد أستاذ العلوم الشرعية بوزارة التعليم الدكتور سعود علي الحنّان أن زيارة القبور شُرعت للعظة وتذكر الآخرة والدعاء للموتى والترحم عليهم، وأن تحويل المقابر إلى أماكن للاحتفال أو تصوير مناسبات شخصية لا ينسجم مع المقصد الشرعي للزيارة.
كما أوضح الأمين العام لهيئة كبار العلماء والمشرف العام على مكتب المفتي العام الدكتور فهد سعد الماجد أن زيارة القبور تكون للسلام على أهلها والدعاء لهم والاستغفار والاتعاظ، مؤكدًا أهمية المحافظة على حرمة المقابر وسكينتها.
وأشار إلى أن بر الوالدين بعد وفاتهما لا يرتبط بتصوير المناسبات عند قبورهما، وإنما يكون بالدعاء والاستغفار والصدقة عنهما وصلة رحمهما وغيرها من الأعمال التي ثبتت في السنة.
الترند بين المشاهدة والمسؤولية
تضع هذه الممارسات سؤالًا أوسع أمام صناعة المحتوى: هل يكفي أن يجذب المحتوى ملايين المشاهدات حتى يُعد ناجحًا؟
يرى المختصون الذين تناولوا الظاهرة أن الإجابة ترتبط بما يتركه المحتوى من أثر، وليس بحجم انتشاره فقط. فالمحتوى الذي يقوم على المخاطرة أو الإهانة أو انتهاك حرمة الأماكن أو تحفيز الآخرين على تقليده قد يحول التفاعل من أداة للانتشار إلى عامل في إعادة إنتاج السلوك.
وبينما تبقى منصات التواصل ساحة مفتوحة للتعبير وصناعة التأثير، فإن اتساع جمهورها يضع على صناع المحتوى مسؤولية أكبر في اختيار ما يقدمونه، خصوصًا عندما يكون المتلقي من الأطفال والمراهقين.
فالشهرة قد تبدأ بمقطع صادم، لكن تأثيرها لا يتوقف عند عدد المشاهدات؛ إذ قد تمتد آثارها إلى القيم والسلوك والسلامة العامة.
https://slategray-wallaby-110781.hostingersite.com/programs/143708/
