لماذا تظهر إعلانات عن أشياء تحدثت عنها للتو؟ إليك الحقيقة

19 أغسطس 2026 - 12:35 مساءً المؤثرون

قد تتحدث مع أحد أفراد عائلتك عن منتج أو وجهة سفر أو حتى نوع معين من الطعام، ثم تفتح هاتفك بعد دقائق لتجد إعلانًا مرتبطًا بالموضوع نفسه. هذا التزامن قد يخلق انطباعًا بأن الهاتف يستمع إلى المحادثات، لكن ظهور الإعلان وحده لا يعني أن الميكروفون كان السبب.

في الواقع، تعتمد الإعلانات الرقمية على كميات كبيرة من البيانات والإشارات السلوكية التي تجمعها المنصات والتطبيقات، بدءًا من عمليات البحث والتصفح، مرورًا بالمحتوى الذي يتفاعل معه المستخدم، ووصولًا إلى الموقع الجغرافي والاهتمامات والارتباطات الرقمية مع أشخاص آخرين.

كيف تعرف المنصات ما قد يثير اهتمامك؟

لماذا تظهر إعلانات عن أشياء تحدثت عنها للتو؟
لماذا تظهر إعلانات عن أشياء تحدثت عنها للتو؟

 

لا تحتاج شركات التكنولوجيا إلى معرفة الكلمات التي قلتها في محادثة خاصة حتى تتوقع ما قد ترغب في شرائه. فكل عملية بحث أو زيارة لموقع أو مشاهدة لمقطع فيديو أو تفاعل مع منشور يمكن أن تضيف إشارة جديدة إلى ملف المستخدم الإعلاني.

وعند جمع هذه الإشارات وتحليلها، تستطيع أنظمة الإعلانات تكوين صورة أكثر دقة عن اهتمامات المستخدم وتفضيلاته، ثم اختيار الإعلانات التي يُرجح أن تجذب انتباهه. لذلك قد يظهر إعلان لمنتج تحدثت عنه للتو، رغم أنك لم تبحث عنه مباشرة، لأن سلوكك الرقمي السابق كان كافيًا لتوقع اهتمامك به.

لماذا تظهر الإعلانات بعد محادثة لم تبحث عنها؟

قد يبدو الأمر أكثر غرابة عندما لا تكون قد أجريت أي بحث عن المنتج الذي تحدثت عنه. لكن هناك سيناريوهات أخرى يمكن أن تفسر هذا التزامن.

فربما بحث شخص قريب منك عن المنتج أو تفاعل مع محتوى مرتبط به، أو ربما توجد بينكما أنماط مشتركة في الموقع أو الاهتمامات أو استخدام التطبيقات. كما تستطيع بعض أنظمة الإعلانات الاستفادة من العلاقات والارتباطات الرقمية بين المستخدمين لتكوين شرائح إعلانية متقاربة.

وهكذا، قد لا يكون الإعلان نتيجة للمحادثة نفسها، بل نتيجة مجموعة من الإشارات التي سبقت تلك المحادثة ولم يلحظها المستخدم.

هل الهاتف يستمع إلى محادثاتك؟

يظل احتمال استخدام الميكروفون أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق لدى المستخدمين، خصوصًا عندما يتزامن ظهور إعلان مع موضوع جرى الحديث عنه وجهًا لوجه.

تقنيًا، تستطيع التطبيقات التي حصلت على صلاحية استخدام الميكروفون الوصول إلى الصوت أثناء الحالات التي يسمح فيها نظام التشغيل بذلك، لكن ظهور إعلان مرتبط بمحادثة لا يشكل وحده دليلًا على أن التطبيق سجل تلك المحادثة أو استخدمها لأغراض إعلانية.

ولهذا، فإن التفسير الأكثر ترجيحًا في كثير من الحالات يرتبط بقدرة أنظمة الإعلانات على ربط عدد كبير من البيانات والإشارات السلوكية، وليس بالضرورة التنصت المباشر على المحادثات.

بصمتك الرقمية أكبر مما تعتقد

لا تقتصر البيانات التي يمكن أن تستخدمها المنظومة الإعلانية على عمليات البحث أو المشتريات، إذ يمكن أن تسهم التطبيقات والخدمات الرقمية التي يستخدمها الشخص يوميًا في تكوين ما يشبه “البصمة الرقمية”.

وتشمل هذه البصمة، بحسب الخدمات والصلاحيات المستخدمة، معلومات عن المواقع التي يزورها المستخدم، والأجهزة التي يستعملها، وعمليات البحث، والمحتوى الذي يتفاعل معه، واهتماماته، إضافة إلى بيانات أخرى يمكن أن تساعد المنصات على تحديد الفئات الإعلانية الأكثر ملاءمة له.

ومع انتشار خدمات تسجيل الدخول الموحد وربط التطبيقات والحسابات، أصبح من السهل نسبيًا إنشاء صورة أكثر تكاملًا عن النشاط الرقمي للمستخدم، خصوصًا عندما يستخدم مجموعة واسعة من الخدمات التابعة للمنظومة نفسها.

شركات التكنولوجيا في قلب سوق الإعلانات

لا تقتصر هذه الممارسات على شركة واحدة؛ إذ يعتمد سوق الإعلانات الرقمية على بيانات المستخدمين لاستهداف الجمهور وقياس أداء الحملات وتحسين عرض الإعلانات.

وتنافس شركات مثل “غوغل” و”ميتا” و”أمازون” و”أبل” في سوق الإعلانات الرقمية بدرجات مختلفة، فيما تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى تدقيقًا متزايدًا من الجهات التنظيمية بشأن ممارساتها في جمع البيانات واستخدامها والإعلانات الموجهة.

ويعكس ذلك اتساع أهمية البيانات في اقتصاد الإنترنت، إذ لم تعد المعلومات التي ينتجها المستخدم أثناء تصفحه مجرد سجل لنشاطه، بل أصبحت عنصرًا يمكن استخدامه لفهم سلوكه والتنبؤ باهتماماته التجارية.

التطبيقات تراقب السلوك لتحسين التوصيات

لا تستخدم التطبيقات البيانات لأغراض الإعلانات فقط، إذ تعتمد عليها أيضًا خوارزميات التوصيات التي تحدد المحتوى الذي يظهر للمستخدم.

وتطبيقات التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، تحلل أنماط المشاهدة والتفاعل مع المحتوى للمساعدة في تحديد مقاطع الفيديو والمنشورات التي قد تهم المستخدم. وكلما زادت التفاعلات، أصبحت الخوارزميات قادرة على بناء تصور أكثر تفصيلًا عن تفضيلاته.

لكن هذه الآلية تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين تخصيص التجربة الرقمية وجمع بيانات أكثر مما يحتاجه التطبيق فعليًا.

أذونات التطبيقات.. أين تبدأ مشكلة الخصوصية؟

يمثل منح التطبيقات صلاحيات الوصول إلى الميكروفون أو الموقع أو الكاميرا أو جهات الاتصال أحد أهم أبواب الخصوصية التي يمكن للمستخدم التحكم فيها.

ومن المنطقي أن يحتاج تطبيق لإجراء مكالمات أو تسجيل الصوت إلى الوصول إلى الميكروفون، كما تحتاج بعض تطبيقات الملاحة إلى الموقع. لكن منح الصلاحية لتطبيق لا يحتاجها فعليًا قد يوسع نطاق البيانات التي يمكنه الوصول إليها.

لذلك، فإن مراجعة أذونات التطبيقات بصورة دورية، وإلغاء الصلاحيات غير الضرورية، واستخدام إعدادات الخصوصية والإعلانات المتاحة في أنظمة التشغيل والمنصات، يمكن أن يقلل من حجم البيانات التي يشاركها المستخدم.

كيف تقلل من الإعلانات الموجهة؟

يمكن للمستخدم اتخاذ عدد من الخطوات للحد من مستوى التخصيص الإعلاني، من بينها مراجعة إعدادات الإعلانات في حساباته، وتقليص أذونات التطبيقات، وإيقاف الوصول غير الضروري إلى الموقع والميكروفون، إضافة إلى الحد من تتبع النشاط عبر التطبيقات والمواقع عندما تتيح أنظمة التشغيل والمنصات هذا الخيار.

لكن تقليل الإعلانات المخصصة لا يعني بالضرورة اختفاء الإعلانات، إذ قد تستمر المنصات في عرض إعلانات اعتمادًا على سياق المحتوى أو معلومات أقل تفصيلًا.

وفي النهاية، فإن الإعلان الذي يظهر بعد محادثة مباشرة قد يبدو كأنه دليل على أن الهاتف كان يستمع، لكن التزامن وحده لا يثبت ذلك. ففي اقتصاد الإعلانات الرقمية، تستطيع عشرات الإشارات الصغيرة التي يتركها المستخدم يوميًا أن تتجمع لتكوين صورة دقيقة بما يكفي لجعل الإعلان يبدو أحيانًا وكأنه “قرأ أفكارك”.