قرية إيطالية بلا شمس.. كيف أنهى مشروع هندسي معاناة عمرها قرون؟

21 يوليو 2026 - 3:37 مساءً برامج السياحة

في أقصى شمال إيطاليا، تختبئ قرية فيجانيلا (Viganella) بين الجبال الشاهقة التي تحيط بها من جميع الجهات. ورغم أن هذا الموقع منحها مشهدًا طبيعيًا استثنائيًا، فإنه فرض عليها أيضًا واقعًا غير مألوف؛ إذ تختفي عنها أشعة الشمس بالكامل لنحو ثلاثة أشهر كل عام.

فمع منتصف نوفمبر، تحجب الجبال المرتفعة ضوء الشمس عن القرية، لتغرق في الظل حتى أوائل فبراير. وعلى مدى قرون، اعتاد السكان استقبال أول أشعة للشمس باحتفالات سنوية، باعتبارها نهاية فصل طويل من الغياب والبرد.

لكن هذا المشهد الذي تكرر لأجيال، توقف منذ عام 2009، بعدما نجح مشروع هندسي مبتكر في تغيير الواقع الذي فرضته الطبيعة.

حل لم يغيّر الجبال… بل استغلها

بدلًا من التفكير في حلول مستحيلة كتعديل تضاريس المنطقة، اتجه المهندس الإيطالي جياكومو بونزاني إلى الاستفادة من قوانين الفيزياء.

فكرته كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها معقدة في تنفيذها؛ إذ اقترح تركيب مرآة عملاقة أعلى أحد المنحدرات المقابلة للقرية، بحيث تعكس أشعة الشمس القادمة من فوق الجبال إلى الساحة الرئيسية، لتصل الإضاءة الطبيعية إلى المكان حتى خلال أشهر الشتاء.

مرآة ذكية تلاحق الشمس

ولم تكن المرآة مجرد لوح معدني ضخم، بل منظومة هندسية متكاملة.

فهي تمتد على مساحة تبلغ نحو 40 مترًا مربعًا، بأبعاد تصل إلى 8 أمتار عرضًا و5 أمتار ارتفاعًا، وثُبتت على ارتفاع يقارب 870 مترًا فوق القرية.

كما زُودت بنظام إلكتروني يتحكم في زاوية ميلها بشكل آلي، اعتمادًا على برنامج حاسوبي يتتبع حركة الشمس على مدار اليوم، ليضمن توجيه الأشعة بدقة نحو ساحة القرية مع تغير موقع الشمس في السماء.

فكرة قوبلت بالسخرية قبل أن تتحول إلى واقع

لم يكن الطريق إلى تنفيذ المشروع سهلًا.

فبحسب بونزاني، استقبل كثيرون الفكرة بالتشكيك، معتبرين أن إعادة الشمس إلى قرية تحجبها الجبال أمر أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. إلا أنه ظل مقتنعًا بأن مبادئ الفيزياء قادرة على تقديم الحل.

وشارك المهندس إيميليو بارلوكو في تطوير المشروع، موضحًا أن التحدي الحقيقي لم يكن تصميم المرآة فحسب، بل تصنيعها بمواد خاصة تتحمل الظروف المناخية القاسية وتوفر درجة الانعكاس المطلوبة، فضلًا عن تأمين التمويل اللازم، الذي تجاوز 100 ألف يورو.

من معاناة الشتاء إلى مقصد سياحي

منذ تشغيل المرآة في ديسمبر 2009، استعادت ساحة فيجانيلا أشعة الشمس خلال أشهر الشتاء، لتنتهي بذلك ظاهرة استمرت مئات السنين.

ولم يقتصر أثر المشروع على تحسين جودة الحياة لسكان القرية، بل تحول إلى قصة نجاح هندسية جذبت اهتمام الزوار من داخل إيطاليا وخارجها، لتصبح فيجانيلا وجهة يقصدها السياح للاطلاع على أحد أكثر الحلول ابتكارًا في توظيف التكنولوجيا للتغلب على تحديات الطبيعة.